في السنوات الأخيرة، شجعت الحكومة الهندية، بالتعاون مع شركات التكنولوجيا، استخدام أجهزة استشعار التربة المحمولة، بهدف مساعدة المزارعين على تحسين قرارات الزراعة، وزيادة غلة المحاصيل، والحد من هدر الموارد من خلال تقنيات الزراعة الدقيقة. وقد حققت هذه المبادرة نتائج باهرة في عدد من المقاطعات الزراعية الرئيسية، وأصبحت علامة فارقة في مسيرة تحديث الزراعة في الهند.
خلفية: التحديات التي تواجه الزراعة
تُعدّ الهند ثاني أكبر منتج زراعي في العالم، حيث تُساهم الزراعة بنحو 15% من ناتجها المحلي الإجمالي وتُوفّر أكثر من 50% من فرص العمل. مع ذلك، لطالما واجه الإنتاج الزراعي في الهند تحديات جمّة، من بينها تدهور التربة، ونقص المياه، وسوء استخدام الأسمدة، وآثار تغيّر المناخ. ويفتقر العديد من المزارعين إلى أساليب علمية لتحليل التربة، مما يُؤدّي إلى عدم كفاءة التسميد والري، ويُصعّب تحسين غلّة المحاصيل.
استجابةً لهذه المشكلات، حددت الحكومة الهندية تكنولوجيا الزراعة الدقيقة كأحد مجالات التطوير الرئيسية، وشجعت بقوة استخدام أجهزة استشعار التربة المحمولة. تستطيع هذه الأجهزة الكشف بسرعة عن رطوبة التربة، ودرجة حموضتها، ومحتواها من العناصر الغذائية، وغيرها من المؤشرات الرئيسية، لمساعدة المزارعين على وضع خطط زراعية أكثر علمية.
إطلاق المشروع: الترويج لأجهزة استشعار التربة المحمولة
في عام 2020، أطلقت وزارة الزراعة ورفاهية المزارعين الهندية، بالتعاون مع عدد من شركات التكنولوجيا، نسخة مطورة من برنامج "بطاقة صحة التربة" لتشمل أجهزة استشعار محمولة للتربة. هذه الأجهزة، التي طورتها شركات تكنولوجيا محلية، رخيصة الثمن وسهلة الاستخدام، مما يجعلها مناسبة لصغار المزارعين.
يُمكن لجهاز استشعار التربة المحمول، بمجرد غرسه في التربة، توفير بيانات فورية عنها في غضون دقائق. ويستطيع المزارعون الاطلاع على النتائج عبر تطبيق الهاتف الذكي المُصاحب، والحصول على نصائح مُخصصة بشأن التسميد والري. لا تُوفر هذه التقنية الوقت والتكلفة المُنفَقة للاختبارات المعملية التقليدية فحسب، بل تُمكّن المزارعين أيضًا من تعديل استراتيجيات الزراعة الخاصة بهم بشكل ديناميكي بناءً على ظروف التربة.
دراسة حالة: ممارسة ناجحة في البنجاب
تُعدّ البنجاب من أهم مناطق إنتاج الغذاء في الهند، وتشتهر بزراعة القمح والأرز. إلا أن الإفراط في التسميد على المدى الطويل وسوء الري أدّيا إلى تدهور جودة التربة، مما أثّر سلبًا على غلة المحاصيل. وفي عام ٢٠٢١، أجرت إدارة الزراعة في البنجاب تجربةً رائدةً لأجهزة استشعار التربة المحمولة في عدد من القرى، وحققت نتائج باهرة.
قال بالديف سينغ، وهو مزارع محلي: "كنا في السابق نعتمد على الخبرة في التسميد، مما كان يؤدي إلى إهدار الأسمدة وتدهور التربة باستمرار. أما الآن، وبفضل هذا المستشعر، أستطيع تحديد العناصر التي تفتقر إليها التربة وكمية السماد اللازمة. في العام الماضي، زاد إنتاج القمح بنسبة 20%، وانخفضت تكاليف الأسمدة بنسبة 30%."
تُظهر إحصاءات وزارة الزراعة في البنجاب أن المزارعين الذين يستخدمون أجهزة استشعار التربة المحمولة قد خفضوا استخدام الأسمدة بنسبة تتراوح بين 15 و20% في المتوسط، بينما زادوا غلة المحاصيل بنسبة تتراوح بين 10 و25%. ولا تقتصر فوائد هذه النتيجة على زيادة دخل المزارعين فحسب، بل تُسهم أيضاً في الحد من الأثر السلبي للزراعة على البيئة.
الدعم الحكومي وتدريب المزارعين
لضمان انتشار استخدام أجهزة استشعار التربة المحمولة، قدمت الحكومة الهندية دعماً مالياً لتمكين المزارعين من شراء هذه الأجهزة بأسعار مخفضة. إضافةً إلى ذلك، عقدت الحكومة شراكات مع شركات التكنولوجيا الزراعية لتنفيذ سلسلة من البرامج التدريبية لمساعدة المزارعين على إتقان استخدام هذه الأجهزة وكيفية تحسين ممارسات الزراعة استناداً إلى البيانات.
صرح ناريندرا سينغ تومار، وزير الزراعة ورفاهية المزارعين، قائلاً: "تُعدّ أجهزة استشعار التربة المحمولة أداةً مهمةً في تحديث الزراعة الهندية. فهي لم تساعد المزارعين على زيادة محاصيلهم ودخولهم فحسب، بل ساهمت أيضاً في تعزيز الزراعة المستدامة. وسنواصل توسيع نطاق استخدام هذه التقنية للوصول إلى المزيد من المزارعين."
التوقعات المستقبلية: انتشار التكنولوجيا وتكامل البيانات
بدأ استخدام أجهزة استشعار التربة المحمولة في العديد من الولايات الزراعية في الهند، بما في ذلك البنجاب وهاريانا وأوتار براديش وغوجارات. وتخطط الحكومة الهندية لتوسيع نطاق هذه التقنية لتشمل 10 ملايين مزارع في جميع أنحاء البلاد خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع خفض تكاليف المعدات بشكل أكبر.
إضافةً إلى ذلك، تخطط الحكومة الهندية لدمج البيانات التي تجمعها أجهزة استشعار التربة المحمولة في المنصة الوطنية للبيانات الزراعية لدعم تطوير السياسات والبحوث الزراعية. ومن المتوقع أن تُسهم هذه الخطوة في تعزيز المستوى التكنولوجي والقدرة التنافسية للزراعة الهندية.
خاتمة
يمثل إدخال أجهزة استشعار التربة المحمولة في الهند خطوة هامة نحو الدقة والاستدامة في الزراعة الهندية. فمن خلال التمكين التكنولوجي، يستطيع المزارعون الهنود استخدام الموارد بكفاءة أكبر وزيادة المحاصيل مع تقليل الآثار البيئية السلبية. ولا تقتصر أهمية هذه التجربة الناجحة على توفير خبرة قيّمة لتحديث الزراعة الهندية فحسب، بل إنها تُشكّل نموذجًا يحتذى به للدول النامية الأخرى لتعزيز تقنيات الزراعة الدقيقة. ومع ازدياد انتشار هذه التقنية، يُتوقع أن تحتل الهند مكانة مرموقة في مجال التكنولوجيا الزراعية العالمية.
تاريخ النشر: 3 مارس 2025
