في السنوات الأخيرة، عززت الحكومة الكينية وشركاؤها الدوليون بشكل ملحوظ قدرة البلاد على رصد الأحوال الجوية، وذلك من خلال توسيع نطاق إنشاء محطات الأرصاد الجوية في جميع أنحاء البلاد، لمساعدة المزارعين على مواجهة تحديات تغير المناخ بشكل أفضل. ولا تقتصر فوائد هذه المبادرة على تعزيز مرونة الإنتاج الزراعي فحسب، بل تُسهم أيضاً في دعم التنمية المستدامة في كينيا.
خلفية: تحديات تغير المناخ
باعتبارها دولة زراعية هامة في شرق أفريقيا، يعتمد اقتصاد كينيا بشكل كبير على الزراعة، ولا سيما إنتاج صغار المزارعين. إلا أن تزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة الناجمة عن تغير المناخ، كالجفاف والفيضانات والأمطار الغزيرة، قد أثر بشدة على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. ففي السنوات القليلة الماضية، شهدت أجزاء من كينيا موجات جفاف حادة أدت إلى انخفاض المحاصيل ونفوق الماشية، بل وتسببت في أزمة غذائية. ولمواجهة هذه التحديات، قررت الحكومة الكينية تعزيز نظامها لرصد الأحوال الجوية والإنذار المبكر.
إطلاق المشروع: الترويج لمحطات الأرصاد الجوية
في عام 2021، أطلقت دائرة الأرصاد الجوية الكينية، بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية، برنامجًا وطنيًا للتوعية بمحطات الأرصاد الجوية. يهدف المشروع إلى توفير بيانات الطقس الآنية من خلال تركيب محطات أرصاد جوية آلية، وذلك لمساعدة المزارعين والحكومات المحلية على التنبؤ بشكل أفضل بتغيرات الطقس ووضع استراتيجيات للتكيف معها.
تستطيع محطات الأرصاد الجوية الآلية هذه رصد البيانات المناخية الرئيسية كدرجة الحرارة والرطوبة وهطول الأمطار وسرعة الرياح واتجاهها، ونقل هذه البيانات إلى قاعدة بيانات مركزية عبر شبكة لاسلكية. ويمكن للمزارعين الوصول إلى هذه المعلومات عبر الرسائل النصية القصيرة أو تطبيق مخصص، مما يتيح لهم جدولة الزراعة والري والحصاد.
دراسة حالة: الممارسة في مقاطعة كيتوي
تُعدّ مقاطعة كيتوي منطقة قاحلة في شرق كينيا، عانت طويلًا من نقص المياه وفشل المحاصيل. في عام 2022، قامت المقاطعة بتركيب 10 محطات أرصاد جوية آلية تغطي المناطق الزراعية الرئيسية. وقد ساهم تشغيل هذه المحطات بشكل كبير في تحسين قدرة المزارعين المحليين على التكيف مع تغير المناخ.
قالت المزارعة المحلية ماري موتوا: "في السابق، كنا نعتمد على الخبرة في تقدير الأحوال الجوية، وغالباً ما كان ذلك بسبب حالات الجفاف المفاجئة أو الأمطار الغزيرة والخسائر. أما الآن، وبفضل البيانات التي توفرها محطات الأرصاد الجوية، يمكننا الاستعداد مسبقاً واختيار المحاصيل ومواعيد الزراعة الأنسب."
أشار مسؤولون زراعيون في مقاطعة كيتوي إلى أن انتشار محطات الأرصاد الجوية لم يُسهم فقط في زيادة إنتاجية المزارعين، بل قلّل أيضاً من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الظروف الجوية القاسية. ووفقاً للإحصاءات، فقد ارتفعت غلة المحاصيل في المقاطعة بنسبة 15% في المتوسط منذ بدء تشغيل محطة الأرصاد الجوية، كما ارتفعت دخول المزارعين أيضاً.
التعاون الدولي والدعم الفني
حظي مشروع إنشاء محطات الأرصاد الجوية في كينيا بدعم من عدة منظمات دولية، بما في ذلك البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وعدد من المنظمات غير الحكومية. ولم تقتصر هذه المنظمات على تقديم الدعم المالي فحسب، بل أرسلت أيضاً خبراء لمساعدة دائرة الأرصاد الجوية الكينية في التدريب التقني وصيانة المعدات.
قال جون سميث، أخصائي تغير المناخ في البنك الدولي: "يُعدّ مشروع محطة الأرصاد الجوية في كينيا مثالاً ناجحاً على كيفية مواجهة تحدي تغير المناخ من خلال الابتكار التكنولوجي والتعاون الدولي. ونأمل أن يُطبّق هذا النموذج في دول أفريقية أخرى".
التوقعات المستقبلية: تغطية موسعة
تم تركيب أكثر من 200 محطة رصد جوي آلية في جميع أنحاء البلاد، تغطي مناطق زراعية رئيسية ومناطق حساسة للمناخ. وتخطط هيئة الأرصاد الجوية الكينية لزيادة عدد محطات الرصد الجوي إلى 500 محطة خلال السنوات الخمس المقبلة لتوسيع نطاق التغطية وتحسين دقة البيانات.
بالإضافة إلى ذلك، تخطط الحكومة الكينية لدمج البيانات المناخية مع برامج التأمين الزراعي لمساعدة المزارعين على الحد من الخسائر خلال الظواهر الجوية المتطرفة. ومن المتوقع أن تُسهم هذه الخطوة في تعزيز قدرة المزارعين على مواجهة المخاطر ودعم التنمية المستدامة للزراعة.
خاتمة
تُظهر قصة نجاح محطات الأرصاد الجوية في كينيا أن الدول النامية، من خلال الابتكار التكنولوجي والتعاون الدولي، قادرة على مواجهة تحدي تغير المناخ بفعالية. لم يُسهم انتشار هذه المحطات في تحسين مرونة الإنتاج الزراعي فحسب، بل وفّر أيضاً دعماً قوياً للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية في كينيا. ومع التوسع المستمر للمشروع، يُتوقع أن تُصبح كينيا نموذجاً يُحتذى به في مجال التكيف مع تغير المناخ والتنمية المستدامة في المنطقة الأفريقية.
تاريخ النشر: 3 مارس 2025
