كشفت دراسة جديدة كيف تؤثر الملوثات الناتجة عن النشاط البشري على قدرة الحيوانات على تحديد مواقع الزهور

على طول أي طريق مزدحم، تبقى مخلفات عوادم السيارات عالقة في الهواء، ومن بينها أكاسيد النيتروجين والأوزون. هذه الملوثات، التي تُطلقها أيضاً العديد من المنشآت الصناعية ومحطات توليد الطاقة، تبقى عالقة في الهواء لساعات أو حتى سنوات. لطالما عرف العلماء أن هذه المواد الكيميائية ضارة بصحة الإنسان. ولكن الآن، تشير مجموعة متزايدة من الأدلة إلى أن هذه الملوثات نفسها تُصعّب الحياة على الحشرات الملقحة والنباتات التي تعتمد عليها.
تتفاعل أنواع مختلفة من ملوثات الهواء مع المواد الكيميائية التي تُكوّن رائحة الزهرة، مُغيرةً كمية وتركيب هذه المركبات بطريقة تُعيق قدرة الحشرات الملقحة على تحديد مواقع الأزهار. فبالإضافة إلى البحث عن إشارات بصرية كشكل الزهرة أو لونها، تعتمد الحشرات على "خريطة" عطرية، وهي مزيج من جزيئات الرائحة الفريدة لكل نوع من أنواع الأزهار، لتحديد موقع النبتة التي ترغب في اصطيادها. ويتفاعل الأوزون وأكاسيد النيتروجين الموجودة على مستوى سطح الأرض مع جزيئات رائحة الأزهار، مُنتجةً مواد كيميائية جديدة ذات وظائف مختلفة.
"إنها تغير بشكل أساسي الرائحة التي تبحث عنها الحشرة"، كما قال بن لانغفورد، عالم الغلاف الجوي في المركز البريطاني لعلم البيئة والهيدرولوجيا الذي يبحث في هذه القضية.
تتعلم الملقحات ربط مزيج فريد من المواد الكيميائية التي تطلقها الزهرة بنوعها المحدد وما يرتبط به من مكافأة سكرية. وعندما تتلامس هذه المركبات الحساسة مع ملوثات شديدة التفاعل، تُغير هذه التفاعلات عدد جزيئات رائحة الزهرة، بالإضافة إلى النسبة المئوية لكل نوع من الجزيئات، مما يُغير الرائحة بشكل جذري.
يعلم الباحثون أن الأوزون يُهاجم نوعًا من الروابط الكربونية الموجودة في جزيئات رائحة الأزهار. من جهة أخرى، تُعدّ أكاسيد النيتروجين لغزًا محيرًا، ولم يتضح بعدُ تمامًا كيف تتفاعل جزيئات رائحة الأزهار كيميائيًا مع هذا النوع من المركبات. يقول جيمس ريالس، الباحث في جامعة ريدينغ: "تُعدّ خريطة الروائح هذه بالغة الأهمية للملقحات، وخاصةً الملقحات الطائرة النشطة. فبعض أنواع النحل الطنان، على سبيل المثال، لا تستطيع رؤية الزهرة إلا عندما تكون على بُعد أقل من متر واحد منها، لذا تُعدّ الرائحة بالغة الأهمية لها في البحث عن الغذاء".
شرع لانغفورد وأعضاء آخرون من فريقه في فهم كيفية تأثير الأوزون على شكل سحابة عطر الزهرة. استخدموا نفقًا هوائيًا وأجهزة استشعار لقياس بنية سحابة العطر التي تُنتجها الأزهار عند إطلاقها عبيرها المميز. ثم أطلق الباحثون الأوزون بتركيزين مختلفين، أحدهما مشابه لما تشهده المملكة المتحدة خلال فصل الصيف عندما تكون مستويات الأوزون أعلى، في النفق مع جزيئات عطر الزهرة. ووجدوا أن الأوزون يُقلّص حواف السحابة العطرية، مما يُقصر عرضها وطولها.
استغل الباحثون بعد ذلك رد فعل لدى نحل العسل يُعرف باسم مدّ الخرطوم. فكما هو الحال مع كلب بافلوف الذي يسيل لعابه عند سماع جرس الطعام، يمدّ نحل العسل جزءًا من فمه يعمل كأنبوب تغذية، يُعرف بالخرطوم، استجابةً لرائحة يربطها بمكافأة سكرية. عندما قدّم العلماء لهذه النحلات الرائحة التي تستشعرها عادةً على بُعد ستة أمتار من الزهرة، مدّت النحلات خرطومها بنسبة 52% من الوقت. وانخفضت هذه النسبة إلى 38% عند استخدام مركب الرائحة الذي يُمثّل الرائحة على بُعد 12 مترًا من الزهرة.
لكن عندما طبقوا نفس التغييرات على الرائحة التي تحدث في عمود متحلل بفعل الأوزون، لم تستجب النحلات إلا بنسبة 32% عند مسافة ستة أمتار، و10% عند مسافة اثني عشر متراً. وقال لانغفورد: "تلاحظ انخفاضاً حاداً في عدد النحلات القادرة على تمييز الرائحة".
أُجريت معظم الأبحاث حول هذا الموضوع في المختبرات، وليس في البيئة الطبيعية للحشرات. ولمعالجة هذه الفجوة المعرفية، قام علماء في جامعة ريدينغ بتركيب مضخات تدفع الأوزون أو عوادم الديزل إلى أجزاء من حقل قمح. وتساعد التجارب التي أُجريت في حلقات مفتوحة قطرها 26 قدمًا الباحثين على تقييم آثار تلوث الهواء على أنواع مختلفة من الملقحات.
قام فريق من الباحثين بمراقبة مجموعات من نباتات الخردل في قطع أرضية لرصد زيارات الملقحات. وتم ضخ عوادم الديزل في بعض الحجرات بمستويات أقل من معايير جودة الهواء المحيط الصادرة عن وكالة حماية البيئة الأمريكية. في تلك المواقع، لوحظ انخفاض يصل إلى 90% في قدرة الحشرات على تحديد مواقع الأزهار التي تعتمد عليها في غذائها. بالإضافة إلى ذلك، شهدت نباتات الخردل المستخدمة في الدراسة، على الرغم من كونها أزهارًا ذاتية التلقيح، انخفاضًا يصل إلى 31% في بعض مؤشرات نمو البذور، ويرجع ذلك على الأرجح إلى انخفاض التلقيح بسبب تلوث الهواء.
تشير هذه النتائج إلى أن الحشرات الملقحة نفسها تواجه تحديات فريدة بسبب المستويات الحالية لتلوث الهواء. ولكن عند العمل بالتزامن مع التحديات الأخرى التي تواجه هذه الحشرات، فمن المرجح أن يخلق تلوث الهواء مشاكل في
بإمكاننا توفير أجهزة استشعار لقياس مجموعة واسعة من الغازات.
تاريخ النشر: 8 أغسطس 2024
