مع تزايد تأثير تغير المناخ العالمي على الإنتاج الزراعي، يسعى المزارعون في جنوب أفريقيا بنشاط إلى تبني تقنيات مبتكرة لمواجهة التحديات. ويُعدّ الانتشار الواسع لتقنية استشعار التربة المتقدمة في أجزاء كثيرة من جنوب أفريقيا خطوةً هامة نحو الزراعة الدقيقة في القطاع الزراعي بالبلاد.
صعود الزراعة الدقيقة
الزراعة الدقيقة هي أسلوب يستخدم تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات لتحسين إنتاج المحاصيل. فمن خلال مراقبة حالة التربة في الوقت الفعلي، يستطيع المزارعون إدارة حقولهم بطريقة علمية أكثر فعالية، وزيادة المحاصيل، والحد من هدر الموارد. وقد عقدت وزارة الزراعة في جنوب أفريقيا شراكة مع عدد من شركات التكنولوجيا لنشر آلاف أجهزة استشعار التربة في المزارع في جميع أنحاء البلاد.
كيف تعمل أجهزة استشعار التربة
تُزرع هذه المجسات في التربة، وهي قادرة على رصد مؤشرات رئيسية مثل الرطوبة ودرجة الحرارة ومحتوى العناصر الغذائية والتوصيل الكهربائي في الوقت الفعلي. تُنقل البيانات لاسلكيًا إلى منصة سحابية، حيث يمكن للمزارعين الوصول إليها عبر هواتفهم الذكية أو أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، والحصول على نصائح زراعية مُخصصة.
فعلى سبيل المثال، عندما تستشعر أجهزة الاستشعار انخفاض رطوبة التربة عن حد معين، يُنبه النظام المزارعين تلقائيًا إلى ضرورة الري. وبالمثل، إذا كانت التربة تفتقر إلى العناصر الغذائية الكافية كالنتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، يُنصح النظام المزارعين بتطبيق الكمية المناسبة من الأسمدة. لا تُحسّن هذه الطريقة الدقيقة لإدارة المحاصيل كفاءة نموها فحسب، بل تُقلل أيضًا من هدر المياه والأسمدة والموارد الأخرى.
الدخل الحقيقي للمزارعين
في مزرعة بمقاطعة كيب الشرقية بجنوب إفريقيا، يستخدم المزارع جون مبيليلي أجهزة استشعار التربة منذ عدة أشهر. يقول: "في السابق، كنا نعتمد على الخبرة والأساليب التقليدية لتحديد مواعيد الري والتسميد. أما الآن، وبفضل هذه الأجهزة، يمكنني معرفة حالة التربة بدقة، مما يمنحني ثقة أكبر في نمو محاصيلي".
وأشار مبيل أيضًا إلى أن استخدام أجهزة الاستشعار يقلل من استهلاك مزرعته للمياه بنسبة 30% والأسمدة بنسبة 20%، مع زيادة إنتاجية المحاصيل بنسبة 15%. وهذا لا يقلل تكاليف الإنتاج فحسب، بل يقلل أيضًا من الأثر البيئي.
حالة تطبيقية
الحالة الأولى: مزرعة أواسيس في كيب الشرقية
خلفية:
تقع مزرعة أواسيس في مقاطعة كيب الشرقية بجنوب إفريقيا، وتمتد على مساحة تقارب 500 هكتار، وتُزرع فيها بشكل رئيسي الذرة وفول الصويا. ونظرًا لعدم انتظام هطول الأمطار في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، يبحث المزارع بيتر فان دير ميروي عن طرق لترشيد استهلاك المياه.
تطبيقات أجهزة الاستشعار:
في أوائل عام 2024، قام بيتر بتركيب 50 جهاز استشعار للتربة في المزرعة، موزعة على قطع أرض مختلفة لمراقبة رطوبة التربة ودرجة حرارتها ومحتواها من العناصر الغذائية في الوقت الفعلي. يرسل كل جهاز استشعار البيانات إلى منصة سحابية كل 15 دقيقة، والتي يمكن لبيتر الاطلاع عليها في الوقت الفعلي عبر تطبيق جوال.
نتائج محددة:
1. الري الدقيق:
باستخدام بيانات المستشعرات، وجد بيتر أن رطوبة التربة في بعض قطع الأرض انخفضت بشكل ملحوظ خلال فترة زمنية محددة، بينما ظلت مستقرة في قطع أخرى. وبناءً على هذه البيانات، عدّل خطة الري الخاصة به وطبّق استراتيجية الري المناطقي. ونتيجة لذلك، انخفض استهلاك مياه الري بنحو 35%، بينما زاد محصول الذرة وفول الصويا بنسبة 10% و8% على التوالي.
2. تحسين عملية التسميد:
تراقب أجهزة الاستشعار أيضًا محتوى العناصر الغذائية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم في التربة. عدّل بيتر جدول التسميد بناءً على هذه البيانات لتجنب الإفراط في التسميد. ونتيجة لذلك، انخفض استخدام الأسمدة بنحو 25%، بينما تحسّنت الحالة الغذائية للمحاصيل.
3. تحذير من الآفات:
ساعدت أجهزة الاستشعار بيتر أيضاً في اكتشاف الآفات والأمراض في التربة. ومن خلال تحليل بيانات درجة حرارة التربة ورطوبتها، تمكن من التنبؤ بانتشار الآفات والأمراض واتخاذ تدابير وقائية للحد من استخدام المبيدات.
ردود الفعل من بيتر فان دير ميوي:
"باستخدام مستشعر التربة، تمكنت من إدارة مزرعتي بطريقة علمية أكثر. في السابق، كنت دائمًا قلقًا بشأن الإفراط في الري أو التسميد، أما الآن فأستطيع اتخاذ القرارات بناءً على بيانات فعلية. هذا لا يزيد الإنتاج فحسب، بل يقلل أيضًا من التأثير البيئي."
الحالة الثانية: "مزارع الكروم المشمسة" في كيب الغربية
خلفية:
تقع مزارع كروم صن شاين في مقاطعة كيب الغربية بجنوب إفريقيا، وتشتهر بإنتاج أنواع نبيذ عالية الجودة. وتواجه مالكة المزرعة، آنا دو بليسيس، تحدي انخفاض إنتاجية العنب وجودته نتيجة لتأثيرات تغير المناخ على إنتاج الكروم.
تطبيقات أجهزة الاستشعار:
في منتصف عام 2024، قامت آنا بتركيب 30 جهاز استشعار للتربة في مزارع الكروم، موزعة تحت أنواع مختلفة من العنب لمراقبة رطوبة التربة ودرجة حرارتها ومحتواها من العناصر الغذائية في الوقت الفعلي. كما تستخدم آنا أجهزة استشعار الطقس لمراقبة بيانات مثل درجة حرارة الهواء والرطوبة وسرعة الرياح.
نتائج محددة:
1. الإدارة الجيدة:
باستخدام بيانات المستشعرات، تستطيع آنا فهم ظروف التربة تحت كل كرمة بدقة. وبناءً على هذه البيانات، عدّلت خطط الري والتسميد، وطبّقت أساليب إدارة مُحسّنة. ونتيجةً لذلك، تحسّن محصول العنب وجودته بشكل ملحوظ، وكذلك جودة النبيذ.
2. إدارة موارد المياه:
ساعدت أجهزة الاستشعار آنا على ترشيد استهلاكها للمياه. فقد لاحظت أن رطوبة التربة في بعض قطع الأرض كانت مرتفعة للغاية خلال فترات زمنية محددة، مما أدى إلى نقص الأكسجين في جذور الكروم. ومن خلال تعديل خطة الري، تجنبت الإفراط في الري ووفرت المياه.
3. القدرة على التكيف مع المناخ:
تساعد أجهزة استشعار الطقس آنا على متابعة تأثيرات تغير المناخ على كروم العنب الخاصة بها. وبناءً على بيانات درجة حرارة الهواء والرطوبة، قامت بتعديل إجراءات تقليم الكروم وتظليلها لتحسين قدرتها على مقاومة تغير المناخ.
تعليقات من آنا دو بليسيس:
"باستخدام أجهزة استشعار التربة وأجهزة استشعار الطقس، تمكنت من إدارة مزرعتي بشكل أفضل. هذا لا يحسن فقط من إنتاجية وجودة العنب، بل يمنحني أيضًا فهمًا أعمق لتأثيرات تغير المناخ. سيكون هذا مفيدًا جدًا لخطط الزراعة المستقبلية."
الحالة الثالثة: مزرعة هارفست في كوازولو ناتال
خلفية:
تقع مزرعة هارفست في مقاطعة كوازولو ناتال، وتختص بزراعة قصب السكر. ونظرًا لعدم انتظام هطول الأمطار في المنطقة، يبحث المزارع رشيد باتيل عن طرق لزيادة إنتاج قصب السكر.
تطبيقات أجهزة الاستشعار:
في النصف الثاني من عام 2024، قام رشيد بتركيب 40 جهاز استشعار للتربة في المزرعة، موزعة على قطع أرض مختلفة لمراقبة رطوبة التربة ودرجة حرارتها ومحتواها من العناصر الغذائية في الوقت الفعلي. كما استخدم طائرات بدون طيار لالتقاط صور جوية ومراقبة نمو قصب السكر.
نتائج محددة:
1. زيادة الإنتاج:
باستخدام بيانات المستشعرات، تمكن رشيد من فهم حالة التربة في كل قطعة أرض بدقة. وبناءً على هذه البيانات، عدّل خطط الري والتسميد، مطبقًا استراتيجيات الزراعة الدقيقة. ونتيجة لذلك، زاد محصول قصب السكر بنحو 15%.
2. توفير الموارد:
ساعدت أجهزة الاستشعار رشيد على ترشيد استخدام المياه والأسمدة. فبناءً على بيانات رطوبة التربة ومحتواها من العناصر الغذائية، قام بتعديل خطط الري والتسميد لتجنب الإفراط في الري والتسميد وتوفير الموارد.
3. مكافحة الآفات:
ساعدت أجهزة الاستشعار رشيد أيضاً في رصد الآفات والأمراض في التربة. وبناءً على بيانات درجة حرارة التربة ورطوبتها، اتخذ احتياطات للحد من استخدام المبيدات.
تعليقات من رشيد باتيل:
"باستخدام مستشعر التربة، تمكنت من إدارة مزرعتي بطريقة علمية أكثر. وهذا لا يزيد من إنتاجية قصب السكر فحسب، بل يقلل أيضًا من الأثر البيئي. أخطط لتوسيع نطاق استخدام المستشعرات في المستقبل لتحقيق كفاءة إنتاج زراعي أعلى."
دعم الحكومة وشركات التكنولوجيا
تولي حكومة جنوب أفريقيا أهمية بالغة لتطوير الزراعة الدقيقة، وتقدم لها العديد من أشكال الدعم السياسي والإعانات المالية. وصرح مسؤول حكومي قائلاً: "من خلال تشجيع تكنولوجيا الزراعة الدقيقة، نأمل في تحسين كفاءة الإنتاج الزراعي، وحماية الأمن الغذائي الوطني، وتعزيز التنمية المستدامة".
تشارك العديد من شركات التكنولوجيا بنشاط في هذا المجال، حيث تقدم أنواعًا متعددة من أجهزة استشعار التربة ومنصات تحليل البيانات. ولا تقتصر خدمات هذه الشركات على توفير المعدات فحسب، بل تشمل أيضًا تقديم التدريب التقني وخدمات الدعم للمزارعين لمساعدتهم على الاستفادة الأمثل من هذه التقنيات الحديثة.
التوقعات المستقبلية
مع التطور المستمر وانتشار تقنية استشعار التربة، ستشهد الزراعة في جنوب أفريقيا عصراً جديداً من الزراعة الذكية والفعالة. وفي المستقبل، قد تُدمج هذه المستشعرات مع الطائرات المسيّرة والآلات الزراعية الآلية وغيرها من الأجهزة لتشكيل منظومة زراعية ذكية متكاملة.
قال الدكتور جون سميث، الخبير الزراعي الجنوب أفريقي: "تُعدّ أجهزة استشعار التربة جزءًا أساسيًا من الزراعة الدقيقة. فبفضل هذه الأجهزة، يُمكننا فهم احتياجات التربة والمحاصيل بشكل أفضل، مما يُتيح إنتاجًا زراعيًا أكثر كفاءة. وهذا لن يُساعد فقط على زيادة إنتاج الغذاء، بل سيُقلل أيضًا من الأثر البيئي ويُساهم في التنمية المستدامة."
خاتمة
يشهد القطاع الزراعي في جنوب أفريقيا تحولاً مدفوعاً بالتكنولوجيا. ولا يقتصر أثر التوسع في استخدام أجهزة استشعار التربة على تحسين كفاءة الإنتاج الزراعي فحسب، بل يعود أيضاً بفوائد اقتصادية ملموسة على المزارعين. ومع التطور التكنولوجي المستمر والدعم الحكومي، ستلعب الزراعة الدقيقة دوراً متزايد الأهمية في جنوب أفريقيا والعالم، مساهمةً إسهاماً إيجابياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
تاريخ النشر: 20 يناير 2025
